أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
75
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2654 - أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إنّي أخاف عليكم أن أغضبا « 1 » فالمعنى : أنها منعت من الفساد ، ويجوز أن يكون لغير النقل من الإحكام ، وهو الاتقان كالبناء المحكم المرصف ، والمعنى : أنها نظمت نظما رصينا متقنا . قوله : « ثُمَّ فُصِّلَتْ » ثمّ : على بابها من التراخي ، لأنها أحكمت ثم فصلت بحسب أسباب النزول وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وزيد بن علي وابن كثير في رواية « فصلت » بفتحتين خفيفة العين . قال أبو البقاء : « والمعنى ثم فرقت » كقوله : فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ ، أي : فارق . « وفسّرها غيره بمعنى : فصلت بين المحق والمبطل ، وهو أحسن . وجعل الزمخشري « ثُمَّ » للترتيب في الأخبار ، لا لترتيب الوقوع في الزمان ، فقال : « فإن قلت : ما معنى « ثُمَّ » ؟ قلت : ليس معناها التراخي في الوقت ، ولكن في الحال ، كما تقول : هي محكمة أحسن الإحكام ، ثم مفصلة أحسن التفصيل » ، وفلان كريم الأصل ، ثم كريم الفعل » . وقرىء أيضا « 2 » : « أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ » بإسناد الفعل إلى تاء المتكلم ، ونصب « آياته » مفعولا بها أي : أحكمت أنا آياته ثم فصّلتها حكى هذه القراءة الزمخشري . قوله : مِنْ لَدُنْ يجوز أن تكون صفة ثانية ل « كِتابٌ » وأن يكون خبرا ثانيا عند من يرى جواز ذلك ، ويجوز أن تكون معمولة لأحد الفعلين ، أعني : أحكمت أو فصلت ويكون ذلك من باب التنازع ، ويكون من إعمال الثاني ، إذ لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، وإليه نحا الزمخشري قال : « وأن يكون صلة ل « أُحْكِمَتْ ، و فُصِّلَتْ » ، أي : من عنده إحكامها وتفصيلها ، وفيه طباق حسن ، لأن المعنى : أحكمها وفصلها ، أي : شرحها وبينها خبير بكيفيات الأمور » . قال الشيخ « 3 » : لا يريد أن « مِنْ لَدُنْ » يتعلق بالفعلين معا من حيث صناعة الإعراب ، بل يريد : أن ذلك من باب الإعمال فهي متعلقة بهما من حيث المعنى . وهو معنى قول أبي البقاء أيضا . ويجوز أن يكون مفعولا والعامل فيه « فُصِّلَتْ » . قوله : أَلَّا تَعْبُدُوا . فيها أوجه : أحدها : أن تكون « أن » مخففة من الثقيلة ، و « لا تعبدوا » جملة فهي في محل رفع خبرا ل « أن » المخففة واسمها على ما تقدم ضمير الأمر والشأن محذوف . والثاني : أنها المصدرية الناصبة ، ووصلت هنا بالنهي ، ويجوز أن تكون « لا » نافية والفعل بعدها منصوب ب « أن » نفسها وعلى هذه التقادير ف « أن » إما في محل جر أو نصب أو رفع ، فالنصب والجر على أن الأصل : لئلا تعبدوا أو بألا تعبدوا ، فلما حذف الخافض جرى الخلاف المشهور . والعامل إما « فُصِّلَتْ » وهو المشهور ، وإما « أُحْكِمَتْ » عند الكوفيين فتكون المسألة من الإعمال ، لأن المعنى : أحكمت لئلا تعبدوا أو بألا تعبدوا ، أو فصلت لئلا تعبدوا أو بألّا تعبدوا ، وقيل : نصب بفعل مقدر تقديره : ضمن أي : الكتاب ألّا تعبدوا ، فإنّ لا تعبدوا هو المفعول الثاني ل « ضمن » ، والأول قام مقام الفاعل ، والرفع فمن أوجه : أحدها : أنها مبتدأ وخبرها محذوف ، فقيل تقديره : من النظر ألا تعبدوا إلا اللّه ، وقيل تقديره : في الكتاب ألّا تعبدوا إلّا اللّه .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 200 ) . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 200 ) .